مـا هو الفـن؟

غالبا ما نشعر بالإطراء عندما يصف أحد ما عملنا بأنه “فن”، وتزداد قيمة عملنا حتى بالنسبة إلى ذواتنا وبأهميته كإنجاز. لا شك عند إطلاق صفة الفن على عمل ما، فإنه يكتسب قيمة إيجابية باستحقاقه الانتباه والملاحظة والتحليل، بل واستخدامه أيضا كقاعدة لبناء عليه فنا آخر. لكن ما يراه البعض فنا، قد يعتبره آخرون بلا قيمة. و هذا ما يدفعنا للسؤال: “ما هو الفن؟”، و”ما هي المعايير التي يعتمد عليها لوصف عمل ما بكونه فنا أو لا؟”، “لماذا هو موجود في الحياة البشرية؟”، “ولماذا يصبغ الفن هذه القيمة المهمة على أعمالنا؟”.

في الحقيقة قد تنصدم بأنه لا يوجد شيء اسمه فن. و إنما يوجد فنانون، لأن الفن موضوع غير ثابت. إنه أشياء مختلفة في أوقات وظروف وأماكن وأدوات وأساليب مختلفة. و إن الأحكام المطلقة على أنواع الأعمال المختلفة بكونها فنا أو لا تختلف تبعا للأشخاص، حيث أن معظم الأشخاص يحبون التعبير الذي يسهل عليهم فهمه، إما لأنه واقعي مباشر أو لأنه يذكره بفكرة أو حالة أو ذكرة ما. إن هذا يشبه اعتقاد الطفل بأن النجمة في السماء تشبه شكل النجمة التي يرسمها و رغم سطحية سبب إطلاق الناس الأحكام على الأعمال الفنية إلا إننا لا نغفل أهميته، فحب الناس للأعمال الفنية الواقعية التي تحاكي الطبيعة وتصفها وصفا دقيقا لا يمكن إلا أن يكون فنا، لنقلها التعبير الصادق عن روعة الطبيعة الصامتة أو المتحركة. لكن ماذا لو أردت أن أعبر عن الكذب؟ّ أليس التعبير عن الكذب فنا؟ كما تختلف المعايير التي تحدد الفن عن غيره باختلاف الظروف، فعند استعراض تطور الفن بدءا من رسوم الكهف إلى فن الديجتال الحالي ستلاحظ هذا الاختلاف، ليس فقط من الناحية التقنية بل أيضا بالموضوع والهدف منه والوظيفة المؤدية إليه. من هنا نكتشف سبب وجود الفن في حياة الإنسان. قد لا نستطيع تعريف الفن. ولكن نستطيع البحث عن مبرراته وأسباب وجوده ومكانته العالية في حياة الإنسان على مختلف الحضارات.

أهمية وجود الفن

لا نعرف كيف بدأ الفن مثلما لا نعرف كيف نشأت اللغة، لكن ما نعرفه هو ارتباط وجود الإنسان بارتباط وجود اللغة والفن. وكما أن وظيفة اللغة هي التفكير والتواصل والتعبير وحفظ المعلومات، كذلك الفن، لأن الفن ليس إلا لغة مرئية نتناقلها، تقابلها لغة منطوقة نتداولها بألسنتنا وأسماعنا. وقد يكون الفن أكثر من ذلك. فعند البدائين كانت الصورة هي رمز للقوة وللتأثير للحماية من قوة الطبيعة وإلحاق الضرر بقوى الشر. وقد نجد أن هذه الوظيفة متخلّفة لاعتقاداتنا بأن السحر والقوى الخارقة ضرب من الخيال نظرا لتقدمنا العلمي والثقافي الذي فسر لنا كيف تحدث آلية العمل في كثير من الأشياء، لكننا سنجد شيء من هذه البدائية متأصلة في نفوسنا، هذا لأنها من الفطرة الإنسانية. اسأل نفسك: لماذا عندما تهتم لشخص ما، كثيرا ما تضع صورته في محفظتك أو تعلقها وتؤطرها؟ تخيل للحظة بأنك تضع صورة لبطلك الملهم على الحائط أو أنك تمتلك صورة لشخص تحبه في محفظتك، ثم أتى شخص ما ومزق عينيه. رغم ثقافتك وتحضرك ومستواك المعرفي واعتقاداتك…، فإنك ستشعر وكأن هذا الأذى أصاب صاحب الصورة، وكأن الصورة تمثل هذا الشخص وتؤثر به. وهذا ما كان يفعله البدائيون، كانوا يظنون بأن برسمهم لحيوانات امتلكوها وسيطروا عليها ، وبضربهم إياها فإن الحيوانات الأصلية ستتأذى.

إن كان هذا هو سبب وجود الفن، فإن العلم قد حقق هدف التأثير على الغير والتحكم به بطرق منطقية عقلية علمية عملية يشاهد أثرها وتلاحظ تجربتها، لكن لماذا لا نلبث أن نحتاج للفن؟، لأن هذا لا يعني بأن الفن قد فقد بقية وظائفه أو بالأحرى وظيفته الأولى. دعونا نتعرف على وظيفة الفن الأساسية ولنعود للغة العربية كمحاولة للتفتيش عن هذا اللغز، لندع اللغة تشرح لنا اللغة.

وظائف الفن

الفنّ في اللغة العربية هو الحال والضرب من الشيء ولهذا نقول بالعامية (فنّيت هالفنّة) أصله من فنن وهو الغصن المستقيم من الشجرة قد يقول بعضكم الآن بأننا لم نستفد من تعريف اللغة لها شيئا أو أنها أكدت معنى عدم وجود شيء اسمه فن بما أنه ضرب من الشيء لكن اللغة العربية قد تقدم لنا شيئا مهما بما أنها لغة ملفوظة والفن لغة مرئية ، لندع اللغة تشرح لنا اللغة إن للحروف أصوات وهذه الاصوات لها دلالة تدرس من حيث واقعها وكيفية نطقها، وتتم إضافة حرف إلى حرف أخر ليتم بناء كلمة تدل على المقصود تماما في الواقع، لنأخذ حرف الراء كمثال، حرف الراء يدل على التكرار (ركض، كرر، نهر)، وكمثال آخر حرف الشين الذي يدل على الانتشار والتفشي (انتشر، مفتّش، شعب، متشعّب) إلى آخره. لنطبق دلالات الحروف على كلمة فن فن : حرف الفاء ينطق بفتح خفيف منضم للشفاه، وحرف النون :صوت يدل على ستر واختباء. لنتأكد من هذه المعاني من خلال تكرار حرف الفاء ولننظر عن ماذا يعبر، فففففففففففففففففففففففففف (ملل، نفخ، فتح، تنفيس)، ولنكرر حرف النون، ننننننننننننننننننننننننننننننننن (وجع ،إطباق، صوت محبوس، أنين) من هنا نستنتج أن كلمة فن، ف ن ن، تعبرعن فتح لستر مختبئ، بمعنى آخر هي تنفيس لمشاعر مكبوتة ومن هنا نعلم بأن وظيفة الفن الأولى هي التعبير.

1- التعبير

فهو لغة نظيرها الصراخ و الإيماء، والتعبير عن الألم أو الوجع أو السرور فطري في الإنسان وكذلك الحيوان، ولكن الإنسان لديه القدرة على تنويعه وتحويره والارتقاء به بخلاف الحيوان. وإن أول صورة من صور التعبير هي المحاكاة والتعبير المباشر وقد كانت هذه المهمة هي الأساسية ولاسيما في المدرسة الواقعية والكلاسيكية في الفن، حتى ظهور اختراع آلة التصوير الملونة على يد العالم جون هيرتشل في منتصف القرن 19، والتي أسهمت كثيرا في تسجيل البيانات العلمية التي كانت مهمة الفنانين أمثال ليوناردو دافنشي. ومن هنا ولدت الانطباعية أو التأثرية، حيث لم يعد الفنان مخولا بنقل ما يرى وإنما بما يشعر به إزاء ما يرى، وهنا انتقل التعبير من المرحلة الأولى لمحاكاة الصورة المرئية للواقع إلى المرحلة الثانية وهو التعبير عن المشاعر الداخلية تجاه الواقع.

2-التفكير وحفظ المعلومات

إن قصة الفن تكمن في تغير الحاجات و الأفكار وليس في تطور الكفاءة التقنية. في عام 1888 أنهى فينسيت فان كوخ لوحة ليلة النجوم لنلاحظ معا يمكننا أن نستنتج من هذه اللوحة بأن فان كوخ رسم هذه اللوحة ماقبل الفجر، وذلك لأن زاوية القمر بالنسبة للأفق لا يمكن أن تكون هكذا إلا في وقت الفجر. ومنه نستنتج أن أكثر النجوم لمعانا هو كوكب الزهرة لإن كوكب الزهرة يظهر بوضوح قبل الفجر. إن هذا الكلام ليس من باب تأويل الفن بالعلم وإنما هو حقيقة. إن الاكتشافات الكونية لم تحظى بالاهتمام حتى بدأ الفنانون يتبنونها. إننا لنلاحظ تطور العلم مقرونا بتطور الفن. المدرسة الوحشية واكتشاف رسوم الكهوف، التكعيبية وأصل الأشياء مع تطور النظرية الداروينية. وعلى عكس اعتقاد كثير من الناس بالاختلاف بين العلم والفن إلا أنهما يتشابهان في كثير من الأوجه أهمهم قاعدتي التمثيل والتصميم حيث يقوم الفن على تصوير ومحاكاة الواقع بطريقة مباشرة أوغير مباشرة من خلال لوحة أو مقطوعة موسيقية أو لوغو لشركة ما، لذلك يختار اسم لوحته بعنوان عريض كالمرأة والطفل مثلا لأنه يعبربصورة خاصة عن حالة عامة. وهذا فعلا ما يقوم به العلم، فهو يقوم باكتشاف قاعدة عامة تنطبق على باقي العينات البحثية مثل: المعادن تتمدد بالحرارة كما يصمم عملية المماثلة من خلال قوانين وتجارب ورؤية وملاحظات. إن الاختلاف الذي يرونه الأشخاص بين الفن والعلم ناجم عن اختلاف الموضوع المستعرض فالعلم يبحث في الأفكار والفن يبحث في المشاعر إن الفنون تمثل تمثيل مركزا قيما مستمدة من عالم يقع بين الواقع الغيبي من ناحية وبين الواقع النفسي والاجتماعي من ناحية أخرى حيث يقوم العلم والفن على إشباع الرغبات والحاجات عن طريق طريقتين: الطريقة المباشرة والتي تبحث خارج الإنسان وأداتها العقل ووسائلها المنطق والملاحظة التجربة، والطريقة الثانية الطريقة الغير مباشرة والتي تبحث داخل الإنسان وأداتها المشاعر ووسائلها الحلم والتأملات والإضافات العقلية إن الفن مرتبط بشكل وثيق بالعلم وهذا ما نراه أيضا بدراسة الألوان المكملة والأساسية، والمنظور، والمعاني الأساسية للأشكال الهندسية وغير الهندسية. و هنا يأتي أرقى أنواع الفن بعد أن حقق مهمة التعبير والتفكير وحفظ المعلومات، وهو ما يحقق الوظيفة الأخيرة وهي التواصل.

3- التواصل

و ذلك عندما يعرض الفنان عمله الفني ويشارك الجميع بما قدمته يداه من تصوير حالة معينة أو فكرة أو شعور. إن الفن ليس مجرد مهارة عالية أو تصوير للجمال أو نسخ للواقع، إنه تعبير عن الداخل ونقل عن الظاهر وتجسيد للفكرة لبناء حلول فعالة تطور الحياة البشرية. إن الفن هو معرفة ما ترى.

تم النشر بواسطة رؤى الكيلاني / تاريخ النشـر: 25 أبريل، 2018