التشكيل والتراث في غياب ابستمولوجيا البحث

صورة لمدينـــة ورزازات

جل الكتابات المعاصرة التي تناولت الفن التشكيلي الحديث بالمغرب، حينما تذكرنا بفنناو تراثنا القديمين، تعيد سرد ما كتبه المؤرخون المغاربة الاوائل الذين يفتقد اغلبهم للثقافة الجمالية التي تمكنهم من قراءة وتحليل ذلك التراث، فتجدهم يكتفون بذكر الزرابي والصواني والاواني والصوامع وتزاويق الاضرحة والمساجد وغير ذلك، يذكرون ما هو ظاهر ولاينفذون لما هو مخفي مستور، لااحد ينفذ الى أعماق “العالم المستقل” الخاص بمعالم واثار الفن الإسلامي: التنظيم الجمالي للفضاء المعماري او غيره، خطوط القوة التي توجه التنظيمات والتكوينات الهندسية التي تملأ الجدران والارضية، التكوينات ذات البعدين حيث يغيب الوهم بالعمق يتناول جمالية هذه الاشياء التي ذكرتها، اصولها الفنية والاستطيقية وجماليات فضاءاتها وغير ذلك. فاقتفى آثارهم من جاء بعدهم ليكتفوا بدورهم ب: كان لنا وكان عندنا…
كلنا نعلم ان الامة المغربية لها تراث فني غني، بتنوع حضارات الامم التي ارست سفنها على شواطيء المغرب، بدءا بما قبل الفنيقيين والقرطاجنيين والرومان مرورا بالحضارتين الأمازيغية والاسلامية ووصولا الى العصر الحديث، عصر الاستعمار والاستشراق.
ان مكونات منظومة الحضارة المغربية متنوعة ومختلفة، منها القائم الحي ومنها الراكد المخفي، الذي ينتظر فرصة من يبرزه ويعيد فيه الحياة.
وإن مايميز الحضارة المغربية كونها كانت مستقلة عن حضارة الشرق الإسلامي، بحكم الاستقلال السياسي والجغرافي الذي عرفه المغرب منذ تأسيس دولة الادارسة الى اليوم. كان المغرب مستقلا عن حكم خلفاء الشرق الاسلامي وبالتالي تولد عن ذلك الاستقلال السياسي استقلال فكري وثقافي وديني وفني. كان المغرب على مدى تاريخه امبراطورية لها ذاتها ووعيها الخاصين في استقلال تام عن ذات ووعي باقي الامبراطورية الإسلامية، من حدود الجزائر حتى مشارف بلاد الصين، فشساعة الأرض والامتداد الجغرافي جعل فنون وثقافة باقي الأقطار تتاثر بفنون وثقافات تلك الامم غير العربية، فنجد الآثار الفارسية والتر كية والهندوسية والصينية تلتقي و تختلط مع كل ما هو عربي لتنتج فنا اسلاميا تميز بالوحدة اكثر مما شابه من اختلاف.
كان للمغرب فلاسفته )ابن رشد وابن خلدون (…و شعراؤه وادباؤه ، ومذهبه الديني بفقهائه، وكان له فنانوه وفنه، وعمارته المختلفة الاشكال والألوان والتكوينات التزيينية والفضاء المعماري، عن عمارة الشرق.له أيضا تصاويره وصباغته التي كانت خاضعة لاوامر الإيديولوجيا الدينية وتشددها فيما يخص منع التصوير التشخيصي، فكان المغرب Iconoclaste اكثر من باقي الأمصار الإسلامية الأخرى. فعكس ما عرفته قصور الامراء والملوك في الشرق الاسلامي من تصاوير تشخيصية تزين جدران الغرف والحمامات، لم تعرف قصور ملوك المغرب هذا النوع من الفن، الذي قام بتنفيذه، في الشر فنانون من اصول غير عربية، كانوا يقيمون تحت راية الدولة الحاكمة او يتم استدعاؤتم من طرف الخليفة وحاشيته كلما دعت الضرورة الى ذلك. وكما غاب التصوير التشخيصي ( الجداريات الداخلية والمنمنمات) في الاوساط المغربية، غاب كذلك النحت والتجسيد ذي الثلاثة ابعاد.
وما خلده التصوير الاستشراقي la peinture orientaliste من مواضيع ومشاهد كانت تعكس الفضاءت الداخلية الشرقية اكثر مما تعكس الفضاءات المغربية، وما صوره بعض من زاروا المغرب مثل أوجين دولاكروا (1789-1863) وغيره من فناني القرن التاسع عشر، هي فضاءات تنتمي لعائلات غير مسلمة، يهودية اومسيحية. فالتقاليد المغربية العريقة والمحافظة لاتسمح للأجنبي، غير المحرم، ان يختلط بالاناث، فكيف بالاحرى ان تسمح لاجنبي ( نصراني) ان يحضر ويرسم حفلات الاعراس والزواج وغيرها، انظر لوحات دولاكروا: les femmes d’Alger و Noce juive كمثال.
كل هذا جميل في زمانه، اي يوم الفت تلك الكتب التي تشكل اليوم مرجعية تاريخية لايستهان بقيمتها الأدبية، لكن ما يؤسف له ان الكتاب المحدثين الذين يحاولون الكشف عن الروابط التاريخية و الجمالية التي تنسج خيوطها بين القديم والحديث، بين ما انتجه الصانع التقليدي عبر آلاف السنين وما ينجزه فنان القرن العشرين، عهد الحداثة الفنية، لم يبينوا بالنقد والتحليل والمنهجية العلمية كيف تتحقق تلك الرابطة، بمعنى اخر لانجد تحليلا جماليا للاشياء التراثية، يظهر الكاتب من خلالها الكيفية التي تحقق بها الاقتباس والتأثر والتلاقي. فالكاتب لاتجده ينفذ الى عمق ” العالم المستقل” الخاص بالأثر التراثي، بل يكتفي بوصف السطوح وقراءة ما هو مكشوف، ما يمكن ان يقرأه كل باحث غير متخصص في الجمالية والفنون التشكيلية، يصف الاشكال بأنها دائرية او مربعة او مستطيلة ويصف الالوان بانها حارة واخرى باردة، والفضاء التشكيلي انه كلاسيكي واقعي تشخيصي تعبيري، فتتوالى الألفاظ اللاماعة وتتواثر المصطلحات غير الدقيقة، تأخذ القارئ إلى متاهة ملؤها الغموض واللبس وصعوبة إدراك المعنى.
فما علاقة كل تلك الاشياء التقليدية، ذات الصيغة النفعية بالفن الحديث الذي ظهر مستنسخا اللوحة الأوروبية مع بداية ستينيات القرن الماضي؟ أقصد حقبة الستينات لأنها هي التي اعتبرت مرحلة “التجديد الحداثي” في الفن التشكيلي بالمغرب.
تحاول الكاتبة الإيطالية طوني ماريني* ربط هذا الفن بالفنون التي باتت مختفية لقرون عديدة لتبرز ملامح جماليتها فجأة مع منتصف القرن العشرين عبر تجربة احمد الشرقاوي الذي “ربط أعماله الفنية بأناه الداخلية”. يعد أحمد الشرقاوي أحد أقطاب الريادة الأوائل في التصوير الحديث بالمغرب، الذين عملوا على وضع اللبنات الأولى لمرحلة التجديد الحداثي الذي عرفته التجربة التشكيلية المغربية مع بداية ستينيات القرن الماضي، حيث قطعت كليا مع الرؤية الاستشراقية، والسياسة الثقافية اللتين كان ينهجهما المستعمر الفرنسي منذ عهد الحماية واستمر نهجهما حتى فترة متأخرة من سنوات الاستقلال الأولى. تكون لدى الشرقاوي منذ بدايته وعي بالذات والتراث فعمل على بناء شخصيته الفنية معتمدا على تكوينه الفني الذي تلقاه بالخارج وعلى احتكاكه بتجارب فناني الحداثة الأوروبية أمثال بول كلي وفناني مدرسة باريس الفرنسية. يقول الشرقاوي متأثرا وهو يتأمل لوحات روجي بيسيير (1886-1964) أحد أعمدة هذه المدرسة: «لما رأيته أول مرة كنت جد متأثر حتى أني بكيت. لقد شعرت بصدمة غريبة إزاء أعماله، كنت أرى أمامي الجمال مجسدا».
أي جمال هذا الذي يراه الشرقاوي مجسدا أمامه؟ هو طبعا لايقصد الجمال بمفهومه الأفلاطوني أو الجمال الهيغلي المثالي، الذي اتخذته الفنون الكلاسيكية تيمتها الرئيسية وكان إتقان وحذق مهارة تمثله وتشكله من المعايير الرئيسية المعتمدة لتقييم الأعمال الأكاديمية. إنه جمال آخر ذلك الذي أحس به الشرقاوي أثناء لحظة التأمل، جمال ينبثق من “عالم الفن المستقل” كما أسماه المؤرخ الجمالي ألكسندر ببادوبولو. (Papadopoulo Alexandre (1917؟ -1996).
شكلت بحوث احمد الشرقاوي أولا، لحظة تزاوج وتلاقح زمانية/مكانية بين الوافد والموروث، بين إبداع الفنان الحداثي والحرفي المحلي.
ثم تلتها البحوث التنظيرية التي قام بها افراد مجموعة 65، المكونة أساسا من الفنانين فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة بعد ذلك، والذين كانت طوني ماريني رفيقة دربهم بحكم زواجها من محمد المليحي.
ما زلنا نتساءل اذا كانت الممارسات الفنية الحديثة بالمغرب تأخذ اصولها من التراث ومن الفنون التقليدية الشعبية؟ باستثناء تجربة احمد الشرقاوي وفريد بلكاهية، شخصيا لا ارى تلك الجذور عند احد. الرموز جعلها الفنان المغربي تغادر قسرا سياقاتها الانطولوجية والميتافيزقية ليوظفها كمضامين في لوحاته. فهل يتجدد الفن بالمضامين وحدها، في الوقت الذي قطعت فيه الحداثة الغربية مع المضامين، واستقلت قطار الفن الصرف، اللون الصرف والشكل الصرف، حداثة التزمت بالانتماء لعالم الفن المستقل…
الخط العربي تم توظيفه كشكل يساهم في تشكيل اللوحة مع هتك انساقه الخاصة وروحانيته لدمجه في وسط مادي دنسه ورفع عنه قدسيته. ان التراث الفني طرف من التراث الفكري العربي العام الذي شهد له الجابري في كتاباته بعدمية الاحاطة ودراسته دراسة معمقة وعميقة.
ارتباط التراث الفني القديم والاستفادة منه انتهى مع تجربة مجموعة 65، ومن جاء بعدهم لايعير للتراث اهمية ولااعتبارا. اين التراث في اعمال المليحي وشبعة والقاسمي وبلامين والحساني وباقي التجريديين الذين شكلوا جيل مابعد الستينات من القرن الماضي؟ شخصيا لا اراه… كثيرا ما نظر محمد شبعة للتراث ودافع عنه في كتاباته ومداخلاته، لكن اعماله تجريدية محض لا اثر للتراث بها. فالحداثة التي حاولت هذه المجموعة التأسيس لها كانت “مشروعا غير مكتمل” على حد قول الفيلسوف هابرماس،اذ انها زاغت عن مسارها، لأسباب لايسع المقام للتفصيل فيها.
اخطأت طوني ماريني حينما قارنت مسيرة المغرب الفنية بمسار الغرب الفني معتمدة نظرية فيلسوف الجمال أهرنايم الالماني الذي يرى ان الفن الحديث الاوروبي كان تتويجا للتحولات العامة التي عرفتها اوروبا منذ عصر النهضة واستمرت الى منتصف القرن 19.
الامر مختلف تماما كما بين ذلك الجابري في كتابه تكوين العقل العربي. لا مجال لمقارنة الثقافة الاوروبية التي قطعت مسارها التارخي دون اهتززات ولا انقلابات ولا ازدواجية الانا والهو، عكس الثقافة العربية التي عرفت مسارا تاريخيا متقطعا، مأساويا، مازال يجر نتائجه الى اليوم. تاريخ الفكر العربي يعيش على ازدواجية التدوين التأريخي: التأرجح بين التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي.، مما يكشف عن ” حلقة مفقودة” في تاريخ الامة العربية. حلقة امتدت على مدى 6 قرون. فمامصير انسان فاقد لستة قرون من تاريخه ومن وعيه؟! هل عاش الانسان الغربي نفس المأساة الوجودية؟ هل ينبني الفكر الغربي على ازدواجية الانا والهو؟ يجب الاقرار ان الثقافة الاوروبية التقت بهويات عديدة ومختلفة على مدى مسارها التاريخي، لكنها عرفت كيف تدمجها وتندمج معها وتهضمها. اما الثقافة العربية فلم تصل الى نتيجة الدمج/ الاندماج والهضم لانها كانت تتعامل مع الآخر وثقافته بريبة وشكوك. كانت ترى فيها الوافد قسرا والمستعمر العنيف. فكانت النهضة العربية رد فعل قوي ضد ذلك الاحساس والواقع المعاش.
عرف الفكر الغربي والثقافة الاوروبية تدرجا تاريخيا منطقيا: العصر الوسيط ثم النهضة ثم الانوار ثم الحداثة، اما الفكر والثقافة العربيتين فكانت حقبهما التاريخية متزامنة: الحداثة هي الانوار والنهضة في نفس الوقت. الحداثة التي استقت شرعيتها من الماضي والتراث. عكس الحداثة الاوروبية التي قطعت مع ماضيها الوسطوي والنهضوي.
يستعمل من يكتبون عن الفن بالمغرب مفاهيم مثل مفهوم الخرائطية الذي نجد الاشارة اليه في كتاب Ecrits sur l’art للكاتبة طوني ماريني، فهي تتحدث عن الخرائطية cartographie والطوبوغرافية واعماق الارض souterrain حينما تربط الفن بجذوره وارضه وان الفنون تبقى تعيش متخفية في اعماق اللاوعي الجماعي حتى تتوفر لها فرص البروز affleurement حسب المفهوم الجيولوجي اوطفرات حسب Fiedler او éveilحسب Ghiberti. (طوني ماريني)
* طوني مريني: من مواليد طوكيو، باليابان عام 1941، ناقدة ومؤرخة الفن، لعبت دورا كبيرا في التعريف بالفنانين التشكيليين المغاربة.

المقــال من إنجــــــــاز الناقذ المغربي محمد خصيــف

تم النشر بواسطة ArtyAds بالعــربي / تاريخ النشـر: 14 أغسطس، 2017